الآلوسي

116

تفسير الآلوسي

لظلمهم وقانوناً لعدوانهم ، وفيه حمل اللفظ على المتبادر منه ، فإن الحمل على المعنى الآخر مجاز كما أشرنا إليه ، وادعى الفاضل الجلبي أن هذا الأمر بعد النهي السابق ليس من باب التكرار في شيء ، فقال : إن النهي قد كان عن نقص حجم المكيال وصنجات الميزان ، والأمر بإيفاء المكيال والميزان حقهما بأن لا ينقص في الكيل والوزن ، وهذا الأمر بعد مساواة المكيال والميزات للمعهود فلا تكرار كيف ولو كان تكريراً للتأكيد والمبالغة لم يكن موضع الواو لكمال الاتصال بين الجملتين انتهى . وتعقب بأن حمل هذين اللفظين - وقد تكررا - في أحد الموضعين على أحد معنيين متغايرين خلاف الظاهر ، وأن في التكرار من الفوائد ما جعله أقوى من التأسيس فلا ينبغي الهرب منه ، وأما العطف فلأن اختلاف المقاصد في ذينك المتعاطفين جعلهما كالمتغايرين فحسن لذلك ، وقد صرح به أهل المعاني في قوله سبحانه : * ( يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ) * انتهى . وفي ورود ما تعقب به أولاً تأمل فتأمل ، وقوله تعالى : * ( وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ) * يحتمل أن يكون تعميماً بعد تخصيص فإنه يشمل الجودة والرداءة وغير المكيل والموزون أيضاً فهو تذييل وتتميم لما تقدم ، وكذا قوله سبحانه : * ( وَلاَ تَعْثَوْاْ في الأَرْض مُفْسدينَ ) * فإن العثى يعم تنقيص الحقوق وغيره لأنه عبارة عن مطلق الفساد ، وفعله من باب رمي . وسعي . ورضى ، وجاء واوياً . ويائياً ، ويحتمل أن يكون نهياً عن بخس المكيل والموزون بعد النهي عن نقص المعيار والأمر بإيفائه أي لا تنقصوا الناس بسبب نقص المكيال والميزان وعدم اعتدالهما أشياءهم التي يشترونها بهما ، والتصريح بهذا انلهي بعد ما علم في ضمن النهي ، والأمرين السابقين للاهتمام بشأنه والترغيب في إيفاء الحقوق بعد الترهيب والزجر عن نقصها ، وإلى كل من الاحتمالين ذهب بعض ، وهو مبني على ما علمت من الاختلاف السابق في تفسير ما سبق ، وقيل : المراد بالبخس المكس كأخذ العشور على نحو ما يفعل اليوم ، و - العثى - السرقة وقطع الطريق والغارة ، و * ( مفسدين ) * حال من ضمير * ( تعثوا ) * ، وفائدة ذلك إخراج ما يقصد به الإصلاح كما فعل الخضر عليه السلام من قتل الغلام . وخرق السفينة فهو حال مؤسسة ، وقيل : ليس الفائدة الاخراج المذكور فإن المعنى - لا تعثوا في الأرض بتنقيص الحقوق مثلاً مفسدين مصالح دينكم وأمر آخرتكم - ومآل ذلك على ما قيل : إلى تعليل النهي كأنه قيل : لا تفسدوا في الأرض فإنه مفسد لدينكم وآخرتكم . * ( بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ) * * ( بَقيَّتُ اللَّهُ ) * قال ابن عباس : أي ما أبقاه سبحانه من الحلال بعد الإيفاء * ( خَيْرٌ لَّكُمْ ) * مما تجمعون بالبخس . فإن ذلك هباء منثور بل هو شر محض وإن زعمتم أنه خير * ( إن كُنتُم مُّؤْمنينَ ) * أي بشرط أن تؤمنوا إذ مع الكفر لا خير في شيء أصلاً ، أو إن كنتم مصدقين بي في مقالتي لكم ، وفي رواية أخرى عن الحبر أنه فسر البقية بالرزق . وقال الربيع هي وصيته تعالى ، وقال مقاتل : ثوابه في الآخرة ، وقال الفراء : مراقبته عز وجل ، وقال قتادة : ذخيرته ، وقال الحسن : فرائضه سبحانه . وزعم ابن عطية أن كل هذا لا يعطيه لفظ الآية وإنما معناه الإبقاء وهو مأخوذ مما روي عن ابن جريج أنه قال : المعنى إبقاء الله تعالى النعيم عليكم خير لكم مما يحصل من النقص بالتطفيف ، وأياً مّا كان فجواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله على ما ذهب إليه جمهور البصريين وهو الصحيح ، وقرأ إسماعيل بن جعفر عن أهل المدينة * ( بقية ) *